ابن عجيبة
564
تفسير ابن عجيبة ( البحر المديد في تفسير القرآن المجيد )
يقول الحق جل جلاله : وَجاءَ مِنْ أَقْصَا الْمَدِينَةِ رَجُلٌ يَسْعى ، وهو حبيب النجار « 1 » ، وكان في غار من الجبل يعبد اللّه ، فلما بلغه خبر الرسل أتاهم ، وأظهر دينه . قال القشيري : في القصة أنه جاء من قرية فسمّاها مدينة ، وقال : من أقصاها ، ولم يكن بينهما تفاوت كثير ، وكذلك أجرى سنّته في استكثار القليل من فعل عبده ، إذا كان يرضاه ، ويستنزر الكثير من فضله إذا بذله وأعطاه . ه . ولما قدم سألهم : أتطلبون على ما تقولون أجرا ؟ فقالوا : لا ، قالَ يا قَوْمِ اتَّبِعُوا الْمُرْسَلِينَ ، اتَّبِعُوا مَنْ لا يَسْئَلُكُمْ أَجْراً على تبليغ الرسالة وَهُمْ مُهْتَدُونَ على جادة الهداية والنصح وتبليغ الرسالة . فقالوا : وأنت على دين هؤلاء ؟ فقال : وَما لِيَ لا أَعْبُدُ الَّذِي فَطَرَنِي : خلقني وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ ، وفيه التفات من التكلم إلى الخطاب ، ومقتضى الظاهر : وإليه أرجع . والتحقيق : أن المراد : مالكم لا تعبدون ، لكن لمّا عبّر عنهم بطريق التكلم ؛ تلطف في الإرشاد ، بإيراده في معرض المناصحة لنفسه ، وإمحاض النصح ، حيث أراد لهم ما أراد لها ، جرى على ذلك في قوله : وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ ، والمراد : تقريعهم على ترك عبادة خالقهم إلى عبادة غيره . ثم قال : أَ أَتَّخِذُ مِنْ دُونِهِ آلِهَةً يعنى الأصنام ، إِنْ يُرِدْنِ الرَّحْمنُ بِضُرٍّ ، وهو شرط جوابه : لا تُغْنِ عَنِّي شَفاعَتُهُمْ شَيْئاً وَلا يُنْقِذُونِ من مكروه بالنصر والمظاهرة ، إِنِّي إِذاً أي : إذا اتخذت إلها غيره لَفِي ضَلالٍ مُبِينٍ ؛ لفى خطأ بيّن ، لا يخفى على عاقل ، إِنِّي آمَنْتُ بِرَبِّكُمْ فَاسْمَعُونِ أي : اسمعوا إيماني ، لتشهدوا به لي يوم القيامة ، فقتله قومه « 2 » . ولمّا مات قِيلَ له : ادْخُلِ الْجَنَّةَ ، فدفن في أنطاكية ، وقبره بها . ولم يقل : قيل له ؛ لأن الكلام مسوق لبيان القول ، لا لبيان المقول له ؛ لكونه معلوما . وفيه دلالة على أن الجنة مخلوقة الآن . وقال الحسن : لمّا أراد القوم أن يقتلوه رفعه اللّه ، فهو في الجنة « 3 » ، ولا يموت إلا بفناء السماوات والأرض ، فلما دخل الجنة ورأى نعمها ، وما أعد اللّه لأهل الإيمان ، قالَ يا لَيْتَ قَوْمِي يَعْلَمُونَ بِما غَفَرَ لِي رَبِّي أي : بالسبب الذي غفر لي ربى به ، وَجَعَلَنِي مِنَ الْمُكْرَمِينَ بالجنة ، وهو الإيمان باللّه ورسله ، أو : بمغفرة ربى وإكرامي ، ف « ما » : موصولة ، حذف عائدها المجرور ، لكونه جرّ بما جرّ به الموصول ، أو : مصدرية ، وقيل : استفهامية . وردّ بعدم حذف ألفها .
--> ( 1 ) أخرجه ابن جرير ( 22 / 159 ) ، وعزاه السيوطي في الدر ( 5 / 491 ) لعبد بن حميد ، وعبد الرزاق ، وابن جرير ، وابن المنذر ، وابن أبي حاتم ، عن قتادة . ( 2 ) عزاه ابن كثير في تفسيره ( 4 / 568 ) لابن إسحاق ، فيما بلغه عن ابن عباس - رضى اللّه عنهما ، وكعب ، ووهب . ( 3 ) ذكره البغوي في تفسيره ( 7 / 15 ) .